بين دليل التوجيه الجامعي الذي يفتحه الناجحون الجدد في الباكالوريا، ودفاتر الانتظار الطويلة في مكاتب التشغيل، تتجدد في تونس مع كل موسم جامعي أسئلة قديمة بحدة أكبر: أي اختصاص يفتح باب العمل؟ وهل تكفي الشهادة الجامعية اليوم لضمان موقع في سوق الشغل، أم أنها أصبحت مجرد محطة أولى في مسار أكثر تعقيداً تحكمه المهارات والخبرة واللغات والقدرة على التكيف مع التحوّلات الاقتصادية؟
أزمة البطالة في أرقام

أهم الأخبار الآن:
ففي الوقت الذي تستقبل فيه الجامعات والمعاهد العليا كل سنة عشرات الآلاف من الطلبة الجدد وتدفع إلى سوق العمل أفواجاً جديدة من الخريجين، تكشف أحدث مؤشرات التشغيل عن مفارقة لافتة: بلغ معدل البطالة العام في تونس 15٪ خلال الثلاثي الأول من سنة 2026، أي ما يعادل 641.7 ألف عاطل عن العمل. لكن بطالة حاملي شهادات التعليم العالي ارتفعت إلى 24.2٪، مقابل 22.5٪ في نهاية سنة 2025. وتتعمق الأزمة أكثر لدى النساء، إذ تبلغ بطالة خريجات التعليم العالي 32٪، مقابل 14.2٪ لدى الرجال، بينما ما تزال بطالة الشباب بين 15 و24 سنة عند مستوى مرتفع بلغ 37.5٪.
ولا تختزل هذه الأرقام أزمة في الحصول على وظيفة فحسب، بل تعكس أيضاً اتساع حالة الإحباط لدى شباب استثمر سنوات من الدراسة وتكاليف التنقل والسكن والدروس الخصوصية، قبل أن يجد نفسه أمام عروض شغل محدودة أو وظائف لا تتناسب مع تكوينه ومستوى شهادته.
وتشير معطيات رسمية متداولة في بداية 2026 إلى أن أكثر من 130 ألف حامل شهادة عليا كانوا مسجلين كباحثين عن عمل لدى مكاتب التشغيل، وأن أكثر من 90٪ منهم تخرجوا سنة 2021 أو قبلها، بما يكشف عن امتداد البطالة لسنوات بعد التخرج وتحولها، لدى كثيرين، إلى انتظار مفتوح لا إلى مرحلة انتقالية قصيرة.
وفي اقتصاد يتركز فيه أكثر من نصف التشغيل في قطاع الخدمات، بنسبة 52.9٪، مقابل 19٪ في الصناعات المعملية و15.7٪ في الفلاحة والصيد، تبرز الحاجة إلى توجيه جامعي أكثر التصاقاً بالتحولات الفعلية في سوق العمل، من الرقمنة والذكاء الاصطناعي والطاقة واللوجستيات والصحة إلى الصناعات ذات القيمة المضافة.
فالتوجيه لم يعد مجرد توزيع للمقاعد وفق المعدلات والرغبات، بل يفترض تحييناً دائماً للبرامج والاختصاصات، وربطاً أوثق بين الجامعة والمؤسسة الاقتصادية، حتى لا يتحول حلم الشهادة إلى بداية جديدة لمسار البطالة.
الشهادة باب إلى سوق الشغل

يعتبر الخبير في الحياة المدرسية والمستشار العام بوزارة التربية سامي بالحبيب أن الشهادة الجامعية ظلّت على امتداد تاريخ تونس وغيرها من البلدان تعتبر أساسيّة للتشغيل. وأن الآلاف في بلادنا من طبقات ومن فئات اجتماعية مختلفة وحتى الفقيرة والشعبية وحتى البعيدة عن المؤسسات الجامعية وصلوا إلى النجاح وبلغوا أعلى مراتب العمل بواسطة الشهادة الجامعيّة التي حصلوا عليها في مختلف المجالات.
ولفت بالحبيب في تصريح لبوّابة تونس إلى أن الواقع العالمي وحتى الواقع المحلّي تغيّر لأن انتظارات سوق الشغل اليوم اختلفت.
ففي البداية أصبحت أعداد المتخرجين وأصحاب الشهادات الجامعية بالآلاف، مبيّنا أن الحصول على الشهادة الجامعية أصبح، بمعنى من المعاني، ممكنا ومتاحا بسهولة فحتّى بمستويات متوسّطة في البكالوريا ثمّ في الجامعة فيكفي أعداد متوسطة للدخول إلى الجامعة ثم الحصول على شهادة.
وتابع: “الطلبة يحصلون على شهادة جامعية ويصبحون من أصحاب الشهادات العليا وثمّ من المعطلين على العمل”.
وبيّن أن ما يفتقده مثل هؤلاء التلاميذ أو الطلبة، حقيقة، هو ما بعد الشهادة أو ما يجب أن يكون موازيا للشهادة. وهو انتظارات صاحب العمل.
وبيّن بالحبيب أن ما يحتاجه صاحب العمل اليوم يفوق ما يقدّمه شاب متخرج يحمل شهادة جامعيّة (ماجيستير أو دكتوراه…).
وشدّد على أن أرباب العمل لا يحتاجون إلى ذلك ولم يعد يعنيهم أمر الشهائد وحدها بل يشترطون أيضا كفاءة العمل التي اكتسبها طيلة المسار الدراسي والموازي للدراسة.
وأضاف: “بمعنى، على ماذا تحصّلت في أربع سنوات جامعة من كفاءات في مجال مثلا الإنجليزية أو الإعلامية أو الميكانيك. ما هي الكفاءات الفعلية التي اكتسبتها ليس فقط التي نجحت فيها. فالحصول على معدّل في اختصاص ما لا يعكس مطلقا المستوى الحقيقي الفعلي لممارسة ذلك العمل”.
واعتبر الخبير أن صاحب العمل اليوم وسوق الشغل أصبحا المحددين الرئيسيّين. فسوق الشغل ينتظر مهارات تقنية في المجال لكن ينتظر أساسا مهارات أخرى موازية.
وضرب مثالا عن طالبين في الاختصاص نفسه أحدهما لديه عدد كبير من الشهادات العلمية ولكن لم يكتسب مهارات موازية والآخر لا يملك سوى شهادة واحدة في الاختصاص لكنّه يملك مهارات وكفاءات مهنية عالية بالإضافة إلى اكتسابه لعدد كبير من المهارات اللينة على غرار اللغة والقدرة على التواصل والقدرة على الاقناع والمرونة في الشخصية والقدرة على اتخاذ القرارات والوعي بالتحولات.
وتابع: “المشغّل في لقاءات الانتداب سيركّز القيمة المضافة لدى طالبي الشغل. فالمنطقي أن جميع المخرّجين يفهمون في ذلك الاختصاص ولكن الفرق بين خرّيجي الجامعة في المكتسبات الإضافيّة التي تفيد صاحب العمل”.
وشدّد على ضرورة اهتمام الطلبة باكتساب مهارات إضافية على غرار اللغات التي تعدّ من بين العوامل التي ترجّح كفة ملفّ على آخر أثناء الانتداب”.
واعتبر أن عددا كبيرا من التلاميذ والطلبة متمكنون من اختصاصاتهم لكنهم يفتقدون المهارات الأخرى.
المهارات الإضافيّة لازمة
ودعا بالحبيب الطلبة والأولياء إلى إيلاء هذا الجانب الاهتمام اللازم ليس فقط عند بلوغ التعلم العالي ولكن حتى قبل ذلك بكثير وخاصة التركيز على اللغات وأن يتحصّلوا على شهادات من مراكز مرموقة في اللغات ليدعموا بها شهاداتهم الجامعيّة ولتكون إضافة جيّدة إلى مطالبهم للتشغيل.
وشدّد المستشار بوزارة التربية على أن الشهادة الجامعيّة تبقى أساسيّة وضرورية لأنها هي الأساس لكنها لا تكفي وحدها اليوم للولوج في سوق الشغل.
واعتبر أن العصر الحالي أصبح يطلب مهارات أخرى. فضلا عن أنه حتى الشهادة الجامعية الوحيدة والمختصة في مجال واحد أصبحت اليوم منقوصة.
وقال: “كل ما اتسع المجال المعرفي والمهاري للمتخرج إلا وكانت آفاق تشغيليته أوسع. فضلا عن أن السوق العالمية اليوم والتي تؤمن بالطلبة التونسيين تشترط تعدد المهارات ومواكبة التطوّر التكنولوجي.
وختم الخبير سامي بالحبيب بالقول: “رغم كل النقائص التي نسجلها على تكويننا في التعليم الثانوي أو الجامعي بقي تكويننا يسجّل تقدّما ملحوظا”.
ولفت إلى أن أبواب سوق الشغل الخارجية مفتوحة أمام الطلبة التونسيّىن لكنها لا تطلب فقط الشهادة بل لا تطلبه اعود نفس الفكرة لا تطلب فقط الشهائد بل تطلب أيضا التنوع والكفاءة وبقية المهارات.
التوجيه الجامعي ومسايرة العصر

تستعد منظومة التعليم العالي في تونس لموسم التوجيه الجامعي 2026-2027 بإصدار دليل جديد يُفترض أن يقدّم للناجحين في الباكالوريا عرضاً تكوينياً أكثر التصاقاً بالتحولات المتسارعة في الاقتصاد وسوق الشغل.
ويأتي هذا الاستحقاق في سياق تتزايد فيه الأسئلة حول جدوى بعض الاختصاصات التقليدية، وقدرة الجامعة على مواكبة الطلب المتنامي على الكفاءات في الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيات الحديثة وعلوم التصرف والاقتصاد.
وأعلنت الإدارة العامة للتجديد الجامعي بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي اعتماد 1205 مسالك تكوين بالإجازة في الجامعات التونسية العمومية خلال السنة الحالية، من أصل 1328 ملفاً أودعت في القطاع العمومي.
وتوزعت المسالك المعتمدة بين 55٪ لإعادة تأهيل مسالك قائمة و45٪ لمسالك جديدة، وهو ما يعكس توجهاً نحو مراجعة العرض الجامعي القائم، لا الاكتفاء بإضافة اختصاصات جديدة.
وتتركز أغلب المسالك الجديدة أو المحيّنة في مجالات علوم التصرف والاقتصاد والإعلامية والتكنولوجيات الحديثة، وفق ما صرح به المدير العام للتجديد الجامعي منير العيادي.
ويهدف هذا التحيين، بحسب الوزارة، إلى ملاءمة التكوين الجامعي مع حاجات سوق الشغل، في ظل ارتفاع بطالة حاملي الشهادات العليا وما تكشفه من فجوة بين التكوين الأكاديمي والمهارات التي تطلبها المؤسسات الاقتصادية.

في هذا السياق اعتبر كاتب عام جامعة التعليم العالي والباحث في الجامعة التونسية بوبكر بن علي أن الجامعة التونسية تواكب وتسارع الزمن كي تساير التطوّرات الحاصلة خاصّة وأن الشباب التونسي برهن على تميّز لافت في التفاعل مع التطوّر التكنولوجي وهو ما ساهم في التقدّم الحاصل في مستوى هذا الجانب حتّى طال إشعاعه الجامعة التونسيّة.
وبيّن بن علي أن الجامعة التونسية تونس تنتج العديد من الباحثين في المجال الإلكتروني في المجال البرمجة في المجال الذكاء الاصطناعي ما يجعل تونس من السباقين في هذا المجال، حتّى أن أبناء تونس من الكفاءات المطلوبة جدّا في الخارج.
وهذا يؤكّد تميّز عدد من الجامعات التونسيّة وتموقعها الجيّد في مراتب متقدّمة من التصنيفات العالميّة للتعليم العالي والبحث العلمي، لأنها رهنت على هذا الجانب.
وحول مدى انعكاس كلّ ذلك على تشغيلية الشهادة العلمية، أكّد الباحث بالجامعة التونسية أن التأثير لا يزال نسبيّا باعتبار عدد العروض في مستوى الشهادات العلمية سواء في التكوين الجديد أو المجدد.
ولفت بن على إلى أن الدليل الجامعي الجديد يحتوي على 1204 عرض تكوين جديد أو مجدّد في 2026، واعتبر أن هذا الرقم مهمّ جداً ومتنوع.
واعتبر أن هناك بناء للإشهاد اعتمد أكثر على تكنولوجيا المعلومات وذكاء الصناعي ويركّز على هذا التوجّه لأنّ سوق الشغل أصبح يتطلب استثمار أكثر في الذكاء الاصطناعي وفي قدرة المهندسين والتقنيين التونسيّين على مواكبة التطورات العلمية المتسارعة.
مسالك تكوينيّة جديدة ومجدّدة
وأشار إلى فتح مجالات جديدة في علاقة بالطاقات المتجددة والتي استوجبت فتح مسالك تكوينيّة جديدة وتجديد بعض المسالك الموجودة.
ولفت إلى أن الطاقات المتجدّدة أصبحت اليوم سوقا كبيرة للشغل وهو ما يفتح المجال أمام الكفاءات التونسيّة.
كما أشار إلى قطاع الصحّة وإشعاع تونس العالمي في هذا المجال سواء كان في المجال الطبّي والشبه الطبّي أو البيولوجي وعلوم الحياة وغيرها.
واستدلّ على ذلك باستقطاب أوروبا لأعداد كبيرة من التونسيّة في مختلف مجالات القطاع الصحّي.
وقال الباحث: “بالتالي أصبح سوق الشغل هو الذي يوجّه تصوّرات الجامعة التونسية حتّى تواكب ما هو مطلوب لكن رغم ذلك يبقى هناك بعض الإشكاليات الصغيرة“.
وتابع: “مواكبة سوق شغل في تونس قادر على استيعاب المتخرّجين ويمكن التحكّم فيه لأنه يخضع لتوجّهات اقتصادية واجتماعية وسياسية واضحة هنا تكون الرؤية أوضح. لكن الإشكال هو هل أننا نخرّج في طلبة حاملين لشهادة ولكفاءة ولمهارة نظريّة قادرة على أن تستثمر في تونس أو يمكن استثمارها حتى في الخارج وتمنح فرص تشغيليّة في الخارج؟“.
الدولة والدور المحوري
واعتبر أن هذه النقطة مازال يكتنفها الغموض وفي لا توجد رؤية واضحة لتوجّه سياسة الدولة في هذا الإطار.
وبيّن أن ذلك يعود بالأساس إلى نقطتين مهمّتين:
الأولى، وهي أن سوق الشغل ذاتها تحتاج إلى إعادة هيكلة وتجديد لأنها تركز أساسا على اختصاصات أو على تشغيلية في توجهات معينة لم تنفتح بعد على التطوّرات الحاصلة.
الثانية، التوجّه الاستراتيجي للدولة لا بدّ أن يبنى بالتوازي مع التوجّهات في التكوين. والاستثمار في هذا التكوين لا بدّ أن يكون في إطار شراكة واضحة بين الجامعة والمؤسسات، والتي بدأت منذ 2015 وحتّى 2025.
وشدّد الباحث على أن كل هذه التوجّهات تحتاج بالضرورة إلى تمويل، بيّن أن هناك استثمار كبير لا بدّ من القيام به وضخّ أموال كثيرة في الجامعة التونسيّة.
وشدّد على ضرورة استثمار الدولة في البحث العلمي بشكل أكبر مما هو عليه الآن لمواكبة ما هو موجود في الخارج.
وقال: “لا يمكن مطالبة مؤسسات متقادمة وإمكانيّات ضعيفة بتوفير كفاءات تتمشى مع المصانع والشركات المتطوّرة“.
وشدّد على ضرورة العمل على تطوير التكوين وتحديث النصوص التشريعية وخلق تسهيلات للوصول إلى مرحلة لا يكون فيها الطالب يدرس فقط للحصول على شهادة ويعلم أن المقهى ينتظره بعد التخرّج ولكن هو يدرس ومقتنع بوجود فرص عمل كبيرة.
وشدّد بن علي على أن التطوير الحاصل الآن مردّه مجهود ذاتي كبير جدا من أستاذة الجامعة التونسية الذين يواكبون بمجهوداتهم الخاصة ما هو موجود في الخارج ويحاولون توفير الحدّ الأدنى من المهارات والكفاءة والمعارف لطلبتهم.
وثمّن كاتب عام نقابة التعليم العالي مجهودات الأستاذة الجامعين الذين بذلوا مجهودا كبيرا خلال فترة قصيرة بين ديسمبر وحتى أفريل باش تمكنوا مند تجديد مسارات التكوين الجامعي وأخذوا بعين الاعتبار العوائق الموجودة وغياب دراسات دقيقة حول وضعيّة سوق الشغل في تونس اليوم وتوجّهاتها ومتطلباتها.
كما ثمّن تمسّك الجامعيّين بالعلوم الإنسانيّة، في وقت تخلّت عنها عديد البلدان.
وشدّد على أهميّة هذه العلوم وبيّن أن المحافظة على إنسانيّة الإنسان مهمّة جدا.
وأضاف قائلا: “قيمة الجامعة التونسيّة في أن تحافظ على إنسانية الإنسان”.

اترك تعليقاً