سليانة-الأيام التونسية-صابر بن عامر

تتواصل حتى الأحد 28 جوان الجاري، بمدينة سليانة (شمال غرب تونس) فعاليات النسخة الخامسة من مهرجان المسرح والمجتمع بالجهة، عبر عروض مسرحية وموسيقية، وورشات تكوينية، أبرزها مشروع المختبر القار لفن العرائس تحت إشراف الدكتور وليد الوسيعي، إضافة إلى المختبر القار للكتابة الجديدة تحت إشراف سامية العمامي، علاوة على ورشة ثالثة حول الإيقاع الشعبي، وورشة رابعة في الصوت والإلقاء في فنون الأداء من تأطير مريم العبيدي.

كما ضمت الأيام الثمانية من المهرجان برنامج إقامات فنية في إطار مشروع تقاطع الفنون والهوية التونسية من تأطير هيثم البوغانمي.

“علاء الدين” الألفية الثالثة

وللأطفال نصيب في المهرجان، حيث واكب جمهور سليانة، ليلة الأربعاء 24 جوان، عرض “كتاب علاء الدين”، من إخراج محمد المختار الوزير، في إنتاج مشترك بين المسرح الوطني التونسي والمسرح الوطني الشاب.

وبطولة كل من بشير الغرياني، المالكي اللباوي، أسامة الحنايني، أحمد الزواغي، ثواب عيدودي، حلمي الخليفي، فاطمة الزهراء المرواني، أصالة كواص، محمد لؤي العش، نورهان جعفر، ليلى المنكبي، كوثر ميساوي، علام بركات، شوقي صعدلي، نبراس خلف الله، محمد المالكي، حازم بوهلالي، وغسان الجربي.

ويستلهم العمل الذي جمع بين الأطفال وذويهم في فرجة عائلية رائقة إحدى حكايات “ألف ليلة وليلة”، منطلقا من القصة الشهيرة “علاء الدين والمصباح السحري” ليعيد كتابتها وتقديمها في شكل كوميديا موسيقية تخاطب الناشئة بمختلف شرائحها العمرية.

هي حكاية طفل ثائر على واقعه، يقع ضحية تلاعب شخص غامض بحياته.

وينتهي الأمر بالطفل علاء الدين إلى خوض رحلة محفوفة بالعوائق والمخاطر، في ظل تربّص السحرة به ومحاولاتهم الإيقاع به في فخاخ أسحارهم المتعدّدة الألوان والأشكال.

وداخل هذا العالم العجائبي حافظ مخرج العمل محمد مختار الوزير على البعد التخييلي للخرافة، معيدا تصوير الإطارين المكاني والزماني برؤى جمالية معاصرة، أين يتحرّك أبطال العرض داخل حلقة من الصراعات المتشابكة والأحداث غير المتوقعة، حيث يتدخّل السحر في كل مرّة ليصنع العجيب والغريب من الأحداث.

عن الحب، والحرية، والأمومة، والهوس بكرسي السلطة، يغوص العرض في تركيبة من العلاقات الإنسانية التي يتجاذبها المدّ والجزر، لتلعب الصدفة دورها في كشف الخفايا وتقريب المسافات بين البطل علاء الدين والأميرة الحبيبة.

ودون التخلّي عن سحر الخرافة وسرّ الحكاية، اقترح المخرج محمد مختار الوزير على جمهور سليانة رؤى جمالية وفنية معاصرة في إعادة سرد قصة “علاء الدين”، انسجاما مع مقتضيات السياق الراهن.

“ڤربي” حياة كريمة مُمكنة موسيقيا

وقبل انطلاق العرض الرئيسي، لسهرة الأربعاء، احتضنت ساحة المركب الثقافي بسليانة، ضمن عروض الشارع، العرض الموسيقي الجديد للفنان نضال اليحياوي “ڤربي”.

وفي العرض تلاقت الإيقاعات والآلات الشعبية التونسية مع الموسيقى الإلكترونية، لتنسج حوارا فريدا يجمع مختلف التجارب السمعية بين الأرشيف الصوتي، والمؤثرات الصوتية الحديثة، والحكايات الجماعية، مقدّما تجربة وجدانية فريدة.

وفي “ڤربي”، لا يستحضر اليحياوي الذاكرة بوصفها أثرا من الماضي، بل بوصفها مادة حية قابلة للتحوّل والتجدّد.

ويتفاعل الموسيقيون المشاركون في المشروع مع هذا الموروث انطلاقا من تجاربهم الخاصة، حيث تتحرّك الألحان بين عوالم جديدة، وتتّخذ الإيقاعات أشكالا أخرى، بينما تدخل الآلات التقليدية في حوار مستمر مع أصوات إلكترونية وأكوستيكية معاصرة.

ويعبّر صوت نضال اليحياوي هذا الفضاء الموسيقي، حاملا أثر الذاكرة وأسئلة الحاضر معا.

وتظل الآلات الموسيقية التونسية التقليدية، سواء على الركح أو عبر التسجيلات والتحويلات الصوتية، في قلب التجربة، شاهدة على تراث ما يزال قادرا على إنتاج معان جديدة.

ويطلق اسم “الڤربي”، في شمال إفريقيا، على المسكن الشعبي البسيط، ذلك الفضاء المتواضع الذي لا يتسلّل إليه الضوء إلّا عبر باب واحد.

مكان صغير في حجمه، واسع بما يحمله من حكايات وذكريات وأصوات، ويستمد مشروع “ڤربي” اسمه من هذا الفضاء.

و”ڤربي” عند صاحب المشروع، “هو فضاء للعبور والتحوّل.. حيث نغلق بابه للحظة، لا لننعزل عن العالم، بل لنصغي إليه بصورة مختلفة، ثم نعيد فتحه لنشارك ما ولد داخله من أصوات ورؤى جديدة. تماما كما يحدث في الموسيقى حين تتحوّل المادة الموروثة إلى تجربة معاصرة دون أن تفقد روحها”، وفق توصيفه.

“وليا” تخميرة فاقدة للوجد

أما، ليلة أمس الخميس 25 جوان، فانطلقت الليلة كعادة المهرجان بالعرض الموسيقي “جذب” للثنائي الموسيقي التونسي مريم حمروني ومحمد برصاوي.

وقدّم الثنائي عرض “وليا” الذي يدمج بين الإنشاد الصوفي، والإيقاعات الإلكترونية المعاصرة، ليخلق تجربة حسية وروحية تعيد تخيّل التراث التونسي بإيقاعات موسيقية إلكترونية، مستلهما من “حضرة” الفنان الراحل فاضل الجزيري مسارا للعرض ومسيرة للثنائي التونسي في محاولة للتجديد، أتت رغم اجتهاد الثنائي فاقدة لروحانياتها الأولى، وصوتها المبدئي الذي أساسه إيقاع النقر على الدفوف للمّ شمل صفوف المتصوّفين التونسيين المعتقدين في أولياء تونس الصالحين.

“أنا صنعني صانع”، “نادوا لبابكم يا فقراء”، “يا بلحسن يا شاذلي” وغيرها من أغاني الإنشاد والمدائح لأبرز القصائد الصوفية المادحات الصادحات بمكارم “رجال تونس ونسائها بالجملة”، جاءت في عرض مريم حمروني ومحمد برصاوي خاوية من “التخميرة”، مُلحة الوجد والمناجاة.

“هوما” تداع حر ليوميات زوج من هذا الزمن

انتهى عرض “جذب” دون أن يجذب انتباه الجمهور، إلّا لماما، لتحتضن قاعة العروض الرئيسية للمركز الثقافي بسليانة مسرحية “هوما”، عن نص مشترك بين سيرين قنون وحمدي حمدي في إخراج لسيرين قنون، وهو من بطولة الثنائي عبد المنعم شويات والبحري الرحالي.

والعمل المنتج من قبل مسرح الحمراء، يناقش مفهوم الرجولة في المجتمعات العربية الذكورية، ويغوص في عوالم الرجل ويومياته الزوجية والعائلية في انتصار مبطّن للمرأة حاملة الوطن وحمّالة أوجاعه ومشاريعه المستقبلية من خلال طرح كوميدي ودرامي ساخر ينقل وينقد سلوكيات مجتمعية غارقة في الإقصاء الجنسي.

وسيرين قنون، صاحبة “هوما” (2025)، سبق لها أن قدّمت في 2021 مسرحية “ربع وقت”، وقبلهما مسرحية “شقف” (2015).

قبل تخرجها وحصولها على درجة الماجستير في الفنون الحركية من جامعة السوربون بباريس 3، كانت سيرين، كريمة المخرج المسرحي الراحل عزالدين قنون، بدأت مشوارها الفني كممثلة محترفة منذ صغرها في العديد من الأعمال المسرحية وأمام كاميرا سلمى بكار وآخرين.

وبصفتها خبيرة في الإدارة الثقافية والسياسة الثقافية، شاركت في مؤتمرات وندوات حول السياسات الثقافية والصناعات الثقافية والتمويل الثقافي.

بعد استلامها إدارة مسرح الحمراء بتونس سنة 2015، أخرجت مسرحية “الشقف” بالشراكة مع مجدي أبو مطر التي فازت بأكثر من 10 جوائز عالمية.

كما توّجت سيرين قنون عام 2018 بجائزة أفضل باعثة مشروع ثقافي، كما أسّست عام 2019 “مهرجان عز الدين قنون للمسرح” وهو مهرجان دولي يقام سنويا في تونس.

منذ عام 2020، أصبحت سيرين قنون تدرّس الإدارة الثقافية في جامعة باريس دوفين تونس، ثم عضوا في اللجنة العلمية للمعهد الأعلى للفنون المسرحية بتونس عام 2021.

قدمّت كذلك العديد من الدورات التدريبية والورشات في الإدارة والسياسات الثقافية في تونس والخارج.

تتالت أعمالها الفنية، فأخرجت عملين فنيين جديدين “وراء الشمس” وهو عرض “سولو” مع الراقص أشرف بلحاج مبارك، ومسرحية “ربع وقت” التي حصلت عام 2021 على جائزة أفضل نص مسرحي في المسابقة الرسمية لمهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي.

أما، الليلة الجمعة 26 جوان، فيكون لجمهور سليانة موعدان، الأول موسيقي، مع العرض المسرحي الراقص “فلّاڤ” لهيثم البوغانمي، يليه العرض المسرحي الحدث لـ2025 “الهاربات” لوفاء الطبوبي.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.


المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *