عبد السلام الزبيدي
ما أجمل أن يكون امتداد أحلامنا على قدر طول كسائنا. ما أجمل أن يكون بين المنام واليقظة خطوط اتّصال، فنكسب التوازن والرضا في آن واحد.
أهم الأخبار الآن:
ما أجمل أن تكون بواطننا صالحة بقَدَرٍ أكبر من صلاح ظواهرها. ما أجمل أن يكون الإنجاز على نسق سير النملة أو السلحفاة شريطة ألاّ تكون البرامج والوعود والتصريحات بنسق نطّ الأرنب أو انطلاقة الصاروخ.
بين تغيير التاريخ والعجز عن الترميم
أحلامي كثيرة لكنّها على قدر طاقتي الذاتيّة وقدر إمكانات تونس كما أعرفها في التاريخ والجغرافيا والطاقات البشرية ومقدّراتها الطبيعية ومستطاعها التنموي، لا ما يتخيّله البعض من صورة تجعلنا محرّكات للتاريخ وصانعين له، في حين أنّنا مُقصِّرون في الترميم فضلا عن البناء وما يستلزمه التشييد.
أحلامي متنوّعة وهي بعدد مجالات الحياة وتفرّعاتها. لي أحلام سياسية وأخرى اقتصادية وثالثة اجتماعية ورابعة صحيّة، ولكلّ قطاع حلمه القطاعي الخاص.
آمل أن يشمل قطار المخطّط التنموي 2026-2030 جميع أحلامي البسيطة. ذاك المخطّط الذي صادقت عليه حكومة رئيس الجمهورية قيس سعيد قبل أيّام. وكانت جلسة المصادقة برئاسة المكلّفة دستوريا بالإشراف على الوزراء والتنسيق، وقبل كلّ ذلك الموكول إليها تنفيذ السياسات العامة التي ضبطها رئيس الجمهورية، ومتابعة الخيارات التي حدّدها، والسير على هدى التوجّهات التي ارتأى أنّها سبيل دخول الشعب التونسي للتاريخ.
سياسيًّا آمل أن استيقظ في كلّ مناسبة احتفالية أو احتفائية سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو مؤسساتية أو دينية على أصوات المسؤولين الذين فوّضهم الشعب لحكمهم بالنيابة ولفترة وجيزة، وهم يبعثون رسائل الأمل، وينسجون بعباراتهم خيوط الثقة في الغد، ويشيرون بأصابعم إلى مواطن التميّز والإبداع في تونس.
أَلَمْ أَقُل إنّ أحلامي بسيطة؟ وتلك هي بعض الأحلام الموجبة. أمّا السالبة، فكلّ الأمل ألاّ تخترق أذناي عبارات تقسيم الشعب، وخطابات التخوين، ورسائل الوعيد في زمن يُفترَض أنّه للاحتفاء والاحتفال والتسامح وغير ذلك من عبارات تحتملها هذه السلّة الدلالية.
وعود دستور 2022
في “القطاع” ذاته، ليست لي أيّة أحلام خاصة. كلّ أملي أن ينفّذ من فوّض له الشعب أمره ما وعد به. ولْيصمُت من يدّعي أنّ رئيس الجمهورية ليس له برنامج ولم يَعِد الشعب بأيّ إنجاز. ففضلا عن تهافت هذا الادّعاء ذاتيا، فإنّ دستور 25 جويلية 2022 كلّه وعود والتزامات، ومُنايَ أن تستحيل أبوابه وفصوله إلى تجسيدات واقعية.
ألَم أَقُل إنً أحلامي بسيطة؟ أملي أن أرى تلك المبادئ الدستورية تسعى بيننا في الأسواق. ذاك الحديث الدستوري عن الحريات والنفاذ إلى المعلومة والحق في الصحة والسكن والنقل وحفظ الكرامة وحرية التنقّل وحريّة التعبير، وغير ذلك كثير.
أقصى المُنى أن يتجسّد قول رئيس الجمهورية قيس سعيّد المتكرّر بأنّه لا معنى لتفعيل النصوص، لأنّ النصوص جُعِلت لتُطبَّق. ولذلك ولغير ذلك، ها أنا أحلم بمحكمة دستورية ومجلس أعلى للقضاء ومجالس بلدية منتخبة وهيئة انتخابات دستورية.
كلّ أحلامي بسيطة، ولست في وارد الحديث عن إقلاع اقتصادي، كلّ ما أرجوه أن نستعيد قطيع أغنامنا الذي تهاوى عدده من أكثر من 6 ملايين إلى أكثر من نصف بقليل. أحلم باستعادة منظومة الألبان والأبقار (جزء من منظومة اللحوم الحمراء) توازنها فنستعيد عشرات الآلاف الأبقار التي فقدها رصيدنا الوطني. أحلم بحليب نصف دسم فيه تطابق بين الاسم والمسمّى، لا مجرّد سائل أبيض اللون هو للماء أقرب.
فضائل الرجوع إلى الوراء
أَلَم أَقُل إنّ أحلامي بسيطة؟ لذلك ولغير ذلك لم أشر إلى استراتيجيات الذكاء الاصطناعي الوطنية والقطاعية، ولم أفتح بوّابة الإدارة والاستثمار والنقل والخدمات الصحية والتعليمية والتجارية والمالية. يكفي أن نُنجز القليل حتّى تنفتح بوّابات البناء والتشييد.
أحلم بملاعب في الأحياء يكون ولوجها مجانيا، وليس في شكل أكاديمية مسبقة الدفع ولا في شكل شركة أهلية لم يتدرّب على تفعيلها وتسييرها من يروم الإشراف عليها. أحلم بأن يرجع بنا التاريخ إلى الوراء، لتكون ملاعب كرة القدم مؤهّلة للمنافسات الدولية، ولِيَنْعَم الأبطال بحقوق التأطير والتمويل دون طرق للأبواب الإعلامية.
تلك هي طبيعة أحلامي. إنّها أحلام بسيطة، لا تقبع تحت مظلتها صناعة التاريخ وتغيير الإنسانية وإهدؤها أفكارا غير مسبوقة. فالعاجز عن تحقيق الأدنى عليه إعادة صياغة أحلامه على قدر كسائه. وما زاد على ذلك مجرّد وَهْم يتغذّى به من يستلذّ الركض وراء السراب.

اترك تعليقاً