سليانة-الأيام التونسية-صابر بن عامر

بسليانة (شمال غرب تونس)، حيث السنابل الذهبية، والمواشي والألبان، والطريق السالكة إلى الحدود التونسية-الجزائرية، للثقافة مكانة خاصة في الولاية، تحديدا بمركز الفنون الدرامية والركحية بالجهة، تنطلق مع بداية الموسم البذر الفلاحي خريفا، تحديدا في أكتوبر من كل عام عبر مهرجان “طريق المسرح” الذي يذهب إلى كل معتمديات الولاية الـ11 دون استثناء ولا إقصاء.. انطلاقا من برقو وكسرى وبوعرادة وقعفور والكريب، مرورا بالعروسة والأخوات وسيدي بورويس ومكثر والروحية، وصولا إلى سليانة الشمالية وسليانة الجنوبية، بل وحتى العطيات، لينتهي مع موسم الحصاد صيفا عبر المهرجان الأكبر “المسرح والمجتمع” بلسليانة.

رمزية الانطلاق والاختتام للمهرجانين تُحيل، حتما إلى دورة شمسية فلاحية، أساسها البذر والجني، والبذر يكون مع المسرح الموجّه للأطفال خريفا، والجني يكون مع المسرح الموجّه للكهول صيفا، وما بينهما ورشات وقراءات شعرية وروائية وملتقيات فكرية ومجلة ثقافية دورية، تؤكّد أنّ لسليانة حُماة للثقافة والفنون على امتداد الموسم الثقافي المقترن بالموسم الفلاحي، وكلاهما غذاء للجسد والروح، ألم يقل الأولون ” مقولة “أعطني مسرحا أعطيك شعبا عظيما”.

فكرة طريفة-لطيفة وغير مسبوقة تُحسب لمدير مركز الفنون الدرامية والركحية بسليانة صالح الفالح الذي أسّس المهرجانين، فخلّد “سليان” (التسمية الأمازيغية القديمة لسليانة) بالمسرح كما خلّد حنبعل “جامة” أو “زامة ريجيا” بالموت في سبيل الأرض والعرض.

المهرجانان ليسا المعركة الأخيرة لصالح الفالح كما كانت “زامة” أرض المعركة الأخيرة لحنبعل ضد روما، بل هوما المبتدأ وإلى الجمهور المُنتهى في ثقافات أخرى ونقاشات كبرى يحملها معه إلى المقهى إلى البيت مع نهاية كل عرض.

فلّاڤ” الأجداد برؤى الأحفاد

تماما، كما حصل ليلة أمس الجمعة 26 جوان، بالمركب الثقافي بسليانة، حيث تابع جمهور مهرجان “المسرح والمجتمع” عرضين مسرحيين فارقين ومرجعيين، الأول عنوانه “فلّاڤ” لهيثم البوغانمي، وهو عبارة عن عرض مسرحي راقص يستحضر فيه البوغانمي تاريخ المقاومة الوطنية، عبر “فلّاڤ” من ربوع تونس الأعماق، ناضل وقاوم وحارب المُستعمر لتكون تونس اليوم.

والثاني عنوانه “الهاربات”، وهي المسرحية الحدث للموسم الثقافي 2025-2026 عن نص وإخراج لوفاء الطبوبي، الذي يحكي تونس الآن وهنا بإكراهاتها ومتغيراتها، بآمالها وآلامها، بالنقيض وضده.

عرض مركّب ومُربك أيضا، بكلّ ما تحمله الكلمتان من معان، مركّب كرقعة شطرنج لا يفقه نقلاتها وحركاتها وكلماتها إلّا من كان خبيرا وضليعا في تكشّف الرموز وما يُقال ولا يُقال من وراء السطور، ومُربك في طرحه وأدائه وإخراجه الذي يجعل كلّ مُتابع حصيف، يخرج من العرض ولا يخرج حتما، إلّا والخيال يجمح به ليُنهي بقية الخرافة كما يراها ويشتهيها، ربما؟

هاربات” من موجع تونس الآثمة

و”الهاربات” مسرحية من 90 دقيقة عن نص وسينوغرافيا وإخراج لوفاء الطبوبي في ثالث تجربة مسرحية لها بعد “أرامل” و”آخر مرة”، في إنتاج مشترك بين المسرح الوطني التونسي وشركة “الأسطورة”، ترصد قصة 5 سيدات ومعهنّ رجل، حيث تنطلق الحكاية في محطة حافلات.. يوم عادي، خمسُ غريباتٍ (أستاذة نائبة، وعاملة في مصنع خياطة، وكاتبة محام، ومعينة منزلية، وجامعة قوارير بلاستيكية، وسادسُهُم عامل بمصنع “كوابل” ينتظرون.. فعلٌ عاديّ ومتكرّر! لكن المنتظَر لم يأت!

الجميع عاد إلى دياره.. ردّةُ فعلٍ عاديةٌ ومتوقّعة! وهم لم يعودوا، لأنهم لم يعتادوا الطريق.

رغم أنّ طريقهم مختلف، إلّا أنهم يتّفقون على الترجّل، وترك الانتظار الضيّق نحو انتظارٍ أوسع في التخيّل، أكبر في الغياب، أعمق في الخوف والألم.

لقد غيّروا خطواتهم أملا في تغيير طريقهم، فضاعوا، وحضر الشكّ. هو شكّ في الوجود وفي العدم، في الكيفِ ولِمَ؟ ومتى؟ وماذا بعد؟ حتى ماذا بعد؟.. لم تأتِ، ولكن، لن يعودوا كما كانوا جميعا.

“الهاربات” بهذا المعنى صرخة ضد الصمت، ضد الخنوع، ضد التهميش، نص مكتوب بكثير من الوجع، وبحرفية عالية، فيكفي أن نُشير هنا إلى المعينة المنزلية التي أبدعت في تجسيد دورها فاطمة بن سعيدان، أكبر الغريبات عمرا، والتي تُحاول أن تدلّهنّ على الطريق، وهي بدورها تتلمّس طريقها، في إشارة إلى تونس الأم الحاضنة لنا جميعا، والتي ظلّت الطريق بدورها، محاولة النهوض من جديد.

والجديد في “هاربات” سليانة أنّ فاطمة بن سعيدان قدّمت العرض بيد “موجوعة”، وهي التي تعرّضت قبل مدة لحادث عمل في إحدى عروضها بالجنوب التونسي تسبّب لها في جروح غائرة بيدها اليمنى وكسر ألزمها وضع “جبيرة”، لكنها قدّمت دورها وكأنّ الضمادة دعامة وإكسسوار للشخصية، فلم يشعر كلّ من سبق له أن شاهد “الهاربات” في عروضها الأولى أنّ بن سعيدان موجوعة، بل على العكس تماما، أتى أداؤها سويا وحيويا ومكتملا، دون نقصان، بل وبإضافات وتوضيفات للعطب الذي أصاب يدها، وكأنّ شيئا لم يكن، بل فليكن، فتلك هي عملاقة المسرح التونسي فاطمة بن سعيدان.

الجديد الثاني في عرض سليانة، ذاك الأداء المبهر لمحمد بوزيد الذي عوّض أسامة الحنايني في تجسيد عامل مصنع “الكابل” المسحوق في البيت ومقر العمل.

يحضر الرجل (محمد بوزيد) بين 5 سيدات، ليحكي آلامه مع “النفقة” وطليقته، مشكلته الوحيدة التي أرهقته، وهو الذي لا يعلم أنّ مشكلات النساء في مجتمع ذكوري حتى العظام، أشدّ وأعظم ممّا يشتكي، فالأعمال والأثقال التي تأتيها النساء في يومياتهنّ هي خمس ما يُكابده الرجل في يومه الذي يراه مريرا، وما هو بمرير مقارنة بإكراهاتهنّ، ولذلك أتى العرض بخمس سيدات ورجل واحد، في تذكير بأنّ السيدات الأمهات أو حتى العازبات يشتغلن يوميا خمس أضعاف ما يشتغل الرجل، في مواقع العمل وفي البيت وحتى في أحلامهنّ غير المتحقّقة دائما حتى في الأجر الذي يكون في الغالب أقلّ من أجر الرجل وجهده؟!

طرح بيئي استعرضته جامعة القوارير البلاستيكية (منيرة الزكراوي) التي تذمّرت من تكدّس قوارير البلاستيك في تونس، رغم أنّ جمعها هو مصدر رزقها الوحيد.

أما العاملة بمصنع الخياطة (لبنى نعمان) فتحدّثت عن التيلرة والفوردية في المجتمعات الرأسمالية التي لا ترى في العاملة وأوجاعها سوى الفاعلية والإنتاجية.

كلّ سيدة من سيدات “الهاربات” تحدّثت عن آلامها، إن كنّ من الطبقة الوسطى التي اهترأت ككاتبة المحامي الطامحة إلى أن تكون محامية في يوم ما (أميمة البحري)، أو الأستاذة النائبة التي ترنو إلى الإدماج (صابرين عمر)، أو المعينة المنزلية التي تحلم بالاعتراف، وعاملة المصنع التي تتطلّع إلى الاستقرار الوظيفي بعيدا عن المردودية والإنتاجية، أو جامعة القوارير البلاستيكية التي تتمنى أن ترى بلدها بلا قوارير ولا أكياس بلاستيكية، وإن فقدت مهنتها؟

نداء للثورة على المتكلّس والمُعاد

هي تونس الأخرى تونس الوجع والتعب والتهميش والإنكار، هي تعبيرة منفلتة على الواقع التونسي، تجربة فنية ومسرحية ترجّ وتعجّ بالمتناقضات.

“الهاربات” نداء مباشر للثورة على المتكلّس والمُعاد، صرخة على سكوت الإنسان ضد “أخيه” الإنسان، أو هكذا خيّل لهنّ؟ ضد القوانين الجائرة والطبقية الظالمة.

المسرحية تنصت لمن هم تحت في الدرك الأسفل من المجمتع، للعاملات الكادحات اللاتي يخرجن من بيوتهنّ و”الدنيا ظلام ويعدن والدنيا ظلام”، كما جاء في نص المسرحية، فمتى ينجلي هذا الظلام؟

الإجابة عند الجمهور الذي واكب انتهاء العرض بتصفيق حار، قبل أن يعود إلى الديار حاملا معه أسئلة لا تنهي، وهو ما يُحسب لوفاء الطبوبي ومجموعتها.

وتتواصل، الليلة السبت 27 جوان، عروض مهرجان “المسرح والمجتمع” بسليانة عبر عرض موسيقي للفنان سيف الدين معلوف ومسرحية “رار” لعزالدين بشير.

ليختتم المهرجان، مساء الأحد 28 جوان، مع العرض الموسيقي لنورهان الهداوي ومسرحية “اعتراف” لمحمد علي سعيد.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.


المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *