في ذروة الشرخ والخلافات الحادة التي خرجت للعلن بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول مذكرة التفاهم مع إيران لإنهاء حرب استنزفت منطقة الشرق الأوسط أمنيا واقتصاديا، وخلقت حالة من عدم الاستقرار الجيوسياسي في العالم، يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إطلاق تصريحات مستفزّة في مؤشّر على تحدي الرئيس الأميركي دونالد ترامب الغاضب من مواقفه المعرقلة للتوصّل إلى اتفاق مع طهران.
نبرة التحدي
فبعد أيام من مكالمة عاصفة وصف فيها الرئيس الجمهوري بعبارات قاسية حليفه نتنياهو بالـ”مجنون وناكر الجميل” على خلفية التصعيد العسكري الإسرائيلي في لبنان، يرفع “بيبي” سقف التحدّي معلنا تغيير “العقيدة الأمنية” لإسرائيل.
فخلالَ مؤتمر نظّمته وكالة الأخبار اليهودية في مدينة القدس المحتلة، أفصح رئيس الوزراء الإسرائيلي عن “المبادرة والضرب الاستباقي” في سياق خطاب سياسي حمل إشارات دينية وتبريرات فكرية لهذا النهج، ما أعاد فتح النقاش حول طبيعة الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية وحدودها الأخلاقية والسياسية.
وتكلم نتنياهو بلغة التّهديد المعتادة: نحن نبادر، نهاجم، نفاجئ، ونهاجم الأعداء الذين يسعون إلى تدميرنا والذين يتطلعون إلى قتلنا، نهاجمهم قبل أن تتاح لهم الفرصة للقيام بذلك”.
واستشهد نتنياهو بعبارة عبرية: “هابا ليهورغيخا هاشكيم ليهورغو”، والتي تُترجم إلى: “إذا جاء أحد ليقتلك، فانهض مبكرا واقتله أولا”، في إشارة إلى ما وصفه بأساس فكري يبرر النهج الاستباقي في العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
كما أشار إلى نصّ من التلمود البابلي يحمل المعنى ذاته، مؤكدًا أن هذا التوجه يعكس، وفق تعبيره، استجابة عقلانية للتهديدات الوجودية التي تواجهها إسرائيل، وليس خروجًا عن التقاليد الدينية أو الفكرية.
وتأتي تصريحات نتنياهو في سياق خطاب سياسي وأمني متصاعد، يعكس تشددًا في تبني خيار الضربات الاستباقية، في ظل توتر إقليمي مستمر وتصاعد المواجهات في أكثر من ساحة..
وبنبرة تعكسُ “تحديّا” واضحا للإدارة الأميركية و”تباعدا استراتيجيا” معها على خلفية التّفاهم الأمريكي الإيراني والملف اللبناني، قال نتنياهو في كلمة له أمام دورة ضباط قتاليين من الاحتياط في مستوطنة غوش عتصيون جنوبي الضفة الغربية المحتلة إن على إسرائيل التحرر من الاعتماد على الولايات المتحدة وبناء منظومة تسليح مستقلة وقوية ومتطورة، كما شدّد على تدريب المزيد من أجيال القادة.
وفي تصريح آخر نقلته عنه “القناة 14″ الإسرائيلية صعّد نتنياهو لهجته تجاه واشنطن مؤكدا أنه لم يطلب إذناً من الرئيس للهجوم على إيران، بل أبلغه بذلك”.
المؤسس الثالث
تجمع عديد القراءات والتحليلات على أن تلك التصريحات المستفزة ليست بغريبة عن شخصية سياسية أسيرة بيئة متطرفة نتيجة نشأته وتربيته في بيت يهودي متطرف، كما قدمها أحد الأفلام التسجيلية الإسرائيلية قبل أكثر عقد من الزمن.
وقد اعترف نتنياهو (الذي يطلقُ على نفسه المؤسّس الثالث لإسرائيل) في الفيلم بعنوان “حياة وسيرة بن تسيون نتنياهو” بتأثره البالغ برؤية والده الصهيونية بأنّ تسوية الصراع بين اليهود والعرب غير ممكنة، لافتا إلى أنه ليس أمام إسرائيل سوى القوة والردع “للدفاع عن مستقبلها”.
في هذا السيّاق يقدّم نتنياهو نفسه”زعيما أمنيا” لا يمكن الاستغناء عنه في أوقات الخطر، كما أن دعوته لتغيير العقيدة الأمنية، تعد بمثابة الاستجابة لخطط السياسية وأحلامه التوراتية التي سوّق لها في كتابيه “بيبي: قصة حياتي” و”مكان بين الأمم: إسرائيل والعالم”.
في الواقع لم يخف نتنياهو المطلوب، يوما ما تلك القناعات بين السطور، بل جاهر بها على مرأى العالم بأكمله في أكثر من مناسبة، مقدّما نفسه مبعوث “العناية الإلهية” لإكمال مهمّة الآباء المؤسسين وتحقيق “الحلم الصهيوني” بتجسيد “الأرض التاريخية التوراتية” التي تتجاوز الحدود المعترف بها دوليا.
أرض الميعاد
ويشير مصطلح “إسرائيل الكبرى” إلى رؤية توسعية لحدود “الدولة الإسرائيلية”، تستند إلى خلفيات أيديولوجية وسياسية في الفكر الصهيوني ونبوءات توراتية.
وتختلف النسخ المطروحة لهذه الرؤية، إذ يمتد بعضها ليشمل كامل أرض فلسطين التاريخية (من النهر إلى البحر) وأجزاء من دول الجوار، بينما تتبنى الصيغ الأكثر تطرفا ضم أجزاء من الأردن، ولبنان، وسوريا، ومصر، بل وربما العراق وشبه الجزيرة العربية.
في بدايات نشوء دولة الاحتلال عام 1948، لم يكن هناك إعلان رسمي بتبني المشروع، لكن بعض القادة مثل مناحيم بيغن وموشيه ديان تحدثوا عن ضرورة الاحتفاظ بالأراضي المحتلة بعد 1967 جزءا من أرض إسرائيل التاريخية، وهو ما دفع الأحزاب اليمينية والمتطرفة مثل “الليكود” و”الصهيونية الدينية”، إلى إبقاء الفكرة حية في خطابها، خاصة لتبرير الاستيطان في الضفة الغربية.
فبعد حرب الأيام الستة في جوان 1967، برز هذا المصطلح بقوة، بدأت بعض القوى السياسية اليمينية في إسرائيل تروّج لفكرة “أرض إسرائيل الكاملة”، وهي فكرة قريبة من مفهوم “إسرائيل الكبرى”، وإثر توسّعها الكبير أعادت إسرائيل سيناء إلى مصر بموجب اتفاقية كامب ديفيد 1979، لكنها ضمت القدس الشرقية، والجولان رسميا بقوانين أحادية رفضها المجتمع الدولي.
أما الضفة الغربية وقطاع غزة، فبقِيا تحت الاحتلال المباشر من دون إعلان ضم رسمي، رغم سياسات الاستيطان الكثيف التي عززت السيطرة الفعلية عليهما.
وفي ظل اتفاقيات أوسلو في التسعينيات، التي فتحت الباب نظريا أمام قيام دولة فلسطينية، تراجع استخدام مصطلح “إسرائيل الكبرى” في الخطاب الرسمي، لكنه ظل حاضرا في أوساط اليمين القومي والديني وتحديدا حزب “الليكود”.
وقد طرح الحزب مشروع “إسرائيل الكبرى” منذ وصوله بزعامة مناحيم بيغن إلى السلطة في إسرائيل عام 1977، وحوّله إلى برنامج سياسي بني على أفكار ولدت قبل ذلك بكثير، وتبعتها التغييرات باستخدام الاسم التوراتي للضفة الغربية “يهودا والسامرا “والترويج للاستيطان اليهودي.
والمشروع الذي يتبناه اليمين الإسرائيلي المتشدد المتحالف اليوم مع نتنياهو، طرحه زعيم حزب “البيت اليهودي” المتطرف بتسالئيل سموتريتش عام 2016، وكان حينها عضوا في الكنيست، مشيرا في مقابلة تلفزيونية إلى أن “حدود إسرائيل يجب أن تمتدّ لتشمل دمشق، إضافة إلى أراضي 6 دول عربية هي سوريا ولبنان والأردن والعراق وجزء من مصر ومن السعودية، لتحقيق الحلم الصهيوني من النيل حتى الفرات.
وقد جدد سموتريتش الذي تولى حقيبة المالية عن حزب “الصهيونية الدينية” في حكومة نتنياهو تلك الطروحات في مارس 2023، خلال خطاب في باريس وكانت على المنصة التي يقف عليها خريطة تشمل “أرض إسرائيل”، في إشارة إلى أن إسرائيل تتكون من فلسطين التاريخية والأردن.
لكن جذور الفكرة أعمق من ذلك؛ فقد تبنى تيار الصهيونية التصحيحية بقيادة زئيف جابوتنسكي- الأب الروحي لتيار الليكود الذي ينتمي إليه نتنياهو- فكرة “إسرائيل الكبرى” باعتبار أن الوطن القومي اليهودي يجب أن يمتد ليشمل فلسطين الانتدابية بشطريها؛ الغربي والشرقي، أي كامل فلسطين التاريخية بما فيها الضفة وغزة، إضافة إلى شرق الأردن (الأردن الحالية). ورفع التصحيحيون آنذاك شعار: “ضفتا الأردن لنا” تأكيدا لاعتقادهم بحق إسرائيل في الضفة الشرقية للنهر.
يستند داعمو اليمين المتطرف الذين يتبنون هذه المعتقدات إلى نصوص توراتية مرتبطة في المعتقد اليهودي يُعرف بـأرض الميعاد، وهذا المفهوم يعتمد على نص من سفر التكوين، الإصحاح الخامس عشر، الآيات 18-21، إذ يتحدث النص عن الوعد الذي قطعه الرب مع أبرام (إبراهيم)، وينص على: في ذلك اليوم، قطع الرب مع أبرام عهدا، فقال: لنسِلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر (نهر النيل) إلى النهر الكبير، أي نهر الفرات.
وفي النص التوراتي، يشير الدكتور عبد الله معروف نقلا عن مؤرخين، إلى أن الوعد الرباني في الأرض لم يُعطَ لإسماعيل، أكبر أبناء إبراهيم، بل لإسحاق، باعتباره شعب الله المختار.
ويُذكر أن هذا الوعد قد تكرر عدة مرات في سفر التكوين خلال الحديث بين الرب وإبراهيم ومن هنا، تطورت عبر العصور رؤية الأرض الموعودة، وتثبيت مكانة شعب الله فيها، حتى أصبحت تُعرف اليوم بـأرض الميعاد.
ومع ظهور المشروع الصهيوني الذي تحدث عن إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، عادت الأسطورة الدينية المتعلقة بهذا الوعد لتجد طريقها للأدبيات الصهيونية الدينية، وتحديدا في أدبيات الجماعية الدينية اليهودية المتأثرة بالفكر الصهيوني، التي اتخذت من النصوص الدينية التوراتية مدخلا لتطبيق فكرة أرض الميعاد على الأرض لإقامة دولة إسرائيل.
القوة مقابل السلام
إبّان الحكومات اليمينية المتطرّفة برئاسة بنيامين نتنياهو، خلال العقد الأخير، ابتعدت سياسة إسرائيل الخارجية تدريجيًّا عن الأنموذج القديم القائم على مبدأ “الأرض مقابل السلام”، وأحلّت محلّه مفهومًا آخر عنوانه: “القوة مقابل السلام”، ويقوم هذا المفهوم (خاصّة بعد عملية طوفان الأقصى في أكتوبر 2023) على فرضية مفادها أنّ تل أبيب تحاول بجرأة غير معهودة فرض واقع أمني واستراتيجي غير مسبوق من خلال:
• مواصلة العمليات العسكرية وتكثيفها على عدّة جبهاتٍ في آنٍ واحد (غزة، وجنوب لبنان، وسورية، واليمن والعراق وضربات موجّهة في إيران).
• توسّع العمليات الاستباقية بدلًا من الاكتفاء بالردع الدفاعي.
• غياب أي ردّ دولي فعّال، بخاصةٍ من جانب حلفاء إسرائيل الغربيين. ويُعيد هذا الوضع تدريجيًّا تشكيل التصوّر العربي السائد لمشروع التطبيع.
ففي الثقافة الأمنية الإسرائيلية القائمة على مزيج من “الخطوط الحمراء المتحركة” و”الردع الفعال والتفوق الإستراتيجي النوعي المطلق” و”الضربات الاستباقية ضدّ التهديدات المحتملة، فإن المجاملات الدبلوماسية والعلاقات الطبيعية مع واشنطن والخطوات الدبلوماسية التي تعني بالضرورة غياب التهديد.
فوفقا لمنظور الجيش الإسرائيلي، فإن أيّ بنية تحتية عسكرية، قد تتطور لتشكّل تهديدا خلال السنوات المقبلة، تعد خطرا مباشرا، وهذا تحديدا ما يكشفه سلوك نتنياهو وعقيدته المنفلتة من حدود القوانين والأعراف الدولية.
هاجس السلطة
تشير القراءات إلى أن الحروب العدوانية العسكرية المتكررة التي شنتها إسرائيل في عهده لم تكن بالضرورة نتيجة إستراتيجية مدروسة أو مشروع سياسي شامل، بقدر ما كانت تكتيكا داخليا يهدف إلى تعزيز موقعه السياسي، وتجنب المساءلة في القضايا القانونية التي تلاحقه، وصرف أنظار الرأي العام عن أزماته الداخلية، إضافة إلى إعادة تشكيل التحالفات البرلمانية، وضمان تماسك ائتلافه الحاكم.
وعلى الرغم من الانتقادات المتكررة لفشله في تحقيق إنجازات استراتيجية ملموسة، فإن هذه الصورة تستثمر لتعزيز شرعيته السياسية والحفاظ على موقعه على قمة هرم السلطة.
ويؤكد عدد من الكتاب والمحللين أن نتنياهو يعد حالة استثنائية في تاريخ القيادة السياسية الإسرائيلية، فهو- بحسب هذه القراءات- أول رئيس حكومة يجعل من التمسك بالسلطة غاية بحد ذاتها، بعيدا عن أي مشروع وطني شامل، أو رؤية إستراتيجية تتجاوز حدود بقائه الشخصي في الحكم. وفي المقابل، يذهب بعض الباحثين إلى الحديث عن “صورتين” لنتنياهو عبر مسيرته السياسية:
• الأولى خلال تسعينيات القرن العشرين، حيث برز كزعيم شاب يتسم بالغرور والحس الأيديولوجي الحاد، والاستعداد الدائم للمواجهة.
• والثانية في ولاياته اللاحقة، وقد بدا خلالها أكثر براغماتية وحذرا، مع ميل أوضح إلى الحسابات الواقعية.
غير أن هذا الطرح لا ينفي وجود خيط ناظم بين المرحلتين، يتمثل في ترسيخ البقاء السياسي كأولوية قصوى، سواء اتخذ ذلك شكل المواجهة الأيديولوجية المباشرة، أو تجسّد في سلوك أكثر واقعية واحتواء.
الجدار الحديدي
يعتقد أحمد الدبش الكاتِب والباحِث الفلسطيني في التاريخِ القديمِ أن الرؤية السياسية لنتنياهو تشكلت في إطار الصهيونية التصحيحية (التنقيحية) التي تشربها منذ نشأته الأولى تحت تأثير والده، المؤرخ بن تسيون نتنياهو، الذي صاغ في وعيه تصورا للتاريخ اليهودي، باعتباره مسيرة متواصلة من النكبات المحتومة.
هذا الإدراك قاده إلى تبني فلسفة “الجدار الحديدي” التي وضع أسسها زئيف جابوتنسكي (1880-1940) في عشرينيات القرن الماضي، والتي تقوم على ضرورة بناء قوة عسكرية ساحقة واستباقية، تحيط إسرائيل بدرع منيع من القوة والردع.
وفق هذه الرؤية، فإن قدر اليهود أن يكونوا دائما على أهْبة الاستعداد لـ”المحرقة القادمة”. هذا هو جوهر أيديولوجية نتنياهو. التي وصفها المفكر الفرنسي دومينيك فيدال: بـ”الخلاصة النقية للحركة التصحيحية الممزوجة بليبرالية أميركية متطرفة”.
تنبثق أطروحة زئيف جابوتنسكي، الأب الروحي لليمين الإسرائيلي، ومؤسس الحركة التصحيحية أو التنقيحية، والتي نشرها في مقالتين عام 1923 بعنوان “الجدار الحديدي”، هذه الكلمات التي طرحها آنذاك تكاد تأخذ شكل تعليمات التعامل للوقت الحالي: “ما هو مستحيل هو اتفاق طوعي”.
فكلما شعر العرب [الشعب الفلسطيني] بأنه ليس هناك بصيص أمل في التخلص منا، فإنهم سيرفضون التخلي عن هذا الأمل سواء مقابل كلمات طيبة، أو لقاء توفير مصادر رزق أساسية لهم، لأنهم ليسوا رعاعا بل شعبا نابضا بالحياة.
ولا يتنازل شعب نابض بالحياة في أمور ذات طبيعة حيوية كهذه، إلا عندما يفقد الأمل بالتخلص منا؛ لأنه عاجز عن اختراق الجدار الحديدي. وحتى ذلك الحين، لن يتخلوا عن قادتهم المتطرفين الذين يتمسكون بشعار “أبدا!” (أي [لا سلام] قط [مع دولة اليهود]!)، وستنتقل القيادة إلى الجماعات المعتدلة، التي ستقترح علينا ضرورة اتفاق الطرفين على تنازلات متبادلة. ثم قد نتوقع منها مناقشة مسائل عملية بصراحة.
وعندما يحصل ذلك، أنا على قناعة بأننا نحن اليهود سوف نكون مستعدين لمنحهم ضمانات مرضية، لكي يتمكن الشعبان من العيش معا بسلام، كجارين تجمعهما علاقة طيبة.
لكن السبيل الوحيد للتوصل إلى مثل هذا الاتفاق هو عبر الجدار الحديدي، والذي يعني [حشد] قوة كبيرة في فلسطين لا تكون عرضة لأي ضغوط عربية. بعبارة أخرى، إن الطريقة الوحيدة للتوصل إلى اتفاق في المستقبل هي التخلي عن أي فكرة للسعي إلى التوصل إلى اتفاق في الوقت الحالي”. كانت قناعة جابوتنسكي “أن القوة العسكرية هي وحدها القادرة على إيجاد والحفاظ على استمرار الدولة اليهودية”.
في كتابه “الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي”، يشير آفي شلايم إلى أن “إقامة جدار حديدي من القوة العسكرية اليهودية، وهذه الحاجة لبناء الجدار الحديدي، كما زعم، وجدت موافقة شاملة من كل الصهاينة”. وقد أصبح “الجدار الحديدي” دستورا للصهيونية الجديدة.
يلخص بن تسيون موقف جابوتنسكي حول العلاقة مع الفلسطينيين على النحو التالي: “وليس هنالك حاجة إلى المزيد مما يمكن قوله بالنسبة إلى المسألة العربية. واضح، بأنه رأى [أي جابوتنسكي] موقف العرب كعنيد جدا، وليس سهلا للتسوية والقبول. كما رآها الكثيرون من أبناء جيله. كما أنه واضح أن ما يحول دون فنائنا اليوم هو فقط الجدار الحديدي، الذي شيدناه بقوتنا. من يجرؤ على التخلي عن هذا الجدار الحديدي؟ من يجرؤ على إضعافه؟”.
ووفق ياسر منّاع الباحث في الشأن الإسرائيلي، تحوّلت هذه الرؤية من أطروحة أيديولوجية إلى ركيزة بنيوية في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، التي تبنّت فكرة الردع المطلق واستخدام القوة المفرطة أداةً في محاولة لتحقيق الأمن والاستقرار للمشروع الصهيوني. ومع توالي الأيام أصبحت هذه النظرية جزءًا من البنية الذهنية والإستراتيجية للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية حتى اليوم.
خطر على إسرائيل
ومع أن 7 أكتوبر شكّل ضربة قاصمة للنظرية الأمنية بصيغتها الكلاسيكية، فإنه فتح الباب في الوقت نفسه أمام مسار إعادة صياغة جديدة، إذ برز تيار واسع في إسرائيل يرى أن تجديد النظرية الأمنية لم يعد خيارًا ثانويًّا، بل هو شرط لازم لبقاء الدولة واستعادة زمام المبادرة. ومن هنا، فإن الخطاب الإسرائيلي المعاصر ينزع نحو بناء مقاربة أمنية جديدة أكثر شمولًا، تتكامل فيها أدوات القوة العسكرية مع السيطرة التكنولوجية والاستخبارية، إلى جانب تعزيز الردع النفسي والإعلامي. وبذلك، فإن ما يُطرح اليوم ليس فقط إعادة النظر في مكونات النظرية، بل إعادة إنتاجها كإطار جامع يحدد هوية إسرائيل الأمنية في القرن الحادي والعشرين.
ووفق رؤية منّاع فإن انهيار النظرية في أكتوبر 2023 لم يكن نهاية المطاف، بل شكل نقطة انعطاف، فبينما كشف ما رشح من نتائج التحقيق في الهجوم المباغت عن قصور في نجاعة الرؤية الأمنية التي صاغها بن غوريون، فإنه في المقابل أطلق عملية إعادة صياغة قد تمثل، في نظر كثير من المحللين الإسرائيليين، حجر الأساس في نهوض إسرائيل من جديد ضمن بيئة إستراتيجية أشد تعقيدًا. ومن هنا تتجلى أهمية تناول هذا الموضوع، لا باعتباره مراجعة تاريخية لنظرية أمنية تقادمت، بل بوصفه مدخلًا لفهم كيفية تعامل إسرائيل مع أزمتها في أعقاب هجوم 7 أكتوبر 2023 وسبل إعادة بناء قوتها والردع في النظام الإقليمي والدولي المعاصر.
ويرى معهد دراسات الأمن القومي أن المبادئ الأساسية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية كانت كافية نظريًّا لمواجهة ناجحة لهجوم 7 أكتوبر، لكن الخلل الرئيسي تمثّل في سوء تطبيق هذه المبادئ من قِبل كلٍّ من المستوى السياسي والمستوى العسكري.
في خضم دعوة نتنياهو إلى إعادة صياغة العقيدة الأمنية الإسرائيلية تكشف قراءات إسرائيلية عن عمق الأزمة الداخلية في تل أبيب وعلى التخبط الإستراتيجي لحكومة نتنياهو، وكيف تحول شعار “النصر المطلق” إلى وهم مدمر أسفر عن تآكل عقيدة الجيش الإسرائيلي، وانجراره نحو مستنقع الانتقام مع تجاهل الرؤية السياسية والقفز فوق حقائق التاريخ العسكري للمؤسسة الإسرائيلية.
وخلص مراقبون إلى أن محاولة نتنياهو الشخصية للقفز نحو تغيير شامل في المنطقة من خلال جنون العظمة قد فشلت بصورة مدوية، فقد نسي نتنياهو مقولة إن “إضافة عنزة أخرى ودونم آخر” مثلت رد الإسرائيليين على موجات القتل، وتخلى عن الجمع بين المنجل وعضت الزيتون والسيف في إشارة إلى بناء الدولة والسعي للسلام، وأراد الاعتماد على جيش قوي فقط، ليتضح أن هذا الجيش لم يعد يمتلك تلك القوة.
ورغم الإقرار بوجود إنجازات ميدانية مبهرة، انتقد إيال كثيرون المصارحة مع الجمهور، كإخفاء حقيقة استحالة تجريد حزب الله من سلاحه، وحقيقة أن البقاء في لبنان يخدم مصالح إيران وحزب الله أكثر مما يضرهما.
ويؤكد آخرون أن تبني سياسات متهورة والتخلي عن مبدإ الدفاع عن النفس بالقدرات الذاتية للدفع نحو حرب مشتركة مع أميركا دون معرفة نهايتها، أدى إلى تبديد رصيد إسرائيل الدبلوماسي النادر، واستنزاف قوات الجيش، وتقويض التحالف مع واشنطن.
كما يحذر شق آخر من السياسيين والمحللين من أفكار نتنياهو المتمثلة في أن القوة العسكرية هي الحاسمة على الأرض والكفيلة بإعادة تشكيل المنطقة من جديد، كشفت أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يحاكم في قضايا فساد داخلية وأخرى بشأن ارتكاب إبادة جماعية في غزة بين أروقة محكمة لاهاي، بات خطرا على المشروع الوجودي الصهيوني كما وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك.

اترك تعليقاً